الثلاثاء، 23 يونيو، 2009

حتى لا ننسى أسرانا " بفلم الشيخ أبو سعد العاملي حفظه الله



بسم الله الرحمن الرحيم،

والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين،
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله بوصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم
الدين، ثم أما بعد :




لاشك أن أعين المخلصين من أبناء الأمة وكذا قلوبهم، مشدودة ومأسورة بهذه
الحرب الصليبية الجديدة، فمن هؤلاء المخلصين من يقاتل مباشرة في صفوف أهل
الحق وأعطى المثل الأعلى في الصمود والتضحية والفداء، ومنهم من يساند بالمال
والعتاد والإيواء والنصرة، ومنهم من ينصر بلسانه وقلمه، ومنهم من يساند بقلبه
ودعواته، فالله سبحانه لن يضيع أجر من أحسن عملاً وسيجازي كل واحد على صدقه
وإخلاصه.


وفي الطرف الآخر يستعمل الأعداء شتى أنواع الأسلحة المشروعة وغير المشروعة
ليس لكسب الحرب فحسب، بل لاستئصال شأفة الإسلام واقتلاعه من جذوره، وبه
يصرحون في كل محفل (اقتلاع جذور الإرهاب، استئصال شأفة الإرهاب، وغيرها من
التعابير)، وما الإرهاب إلا ذريعة، والكل يتذكر تصريح رئيس الكفر بوش ووصفه
هذه الحرب بأنها حرب صليبية جديدة، وقد أنطقه الله بما يُسِرُّ في قلبه ﴿
وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر ﴾.




ومن أساليب استئصال شأفة هذا الدين، التركيز على تصفية قيادات وأمراء
الإسلام وكل المجاهدين الصابرين الثابتين على دينهم، الزاهدين في هذه الدنيا
الفانية وفي كل الإغراءات الزهيدة التي يعرضها العدو لكسب رضاهم وردهم عن
دينهم إن استطاعوا.




وحينما تفشل هذه المحاولات، يلجأون إلى أسلوب آخر لا يقل خطورة عن
الأسلوبين سالفي الذكر ألا وهو الأسر أو السجن، حيث يعتبر بمثابة فصل الرأس (
القيادة والأمراء ) عن الجسد ( الجماهير أو القاعدة )، وبهذا يتحقق للعدو هدف
إضعاف الصف الإسلامي، وترك القافلة بلا دليل سرعان ما تتيه ثم تهلك في صحاري
وقفار الجهل والبدعة أو الشرك والكفر والردة.


نرى ذلك اليوم جلياً في هذه الحرب الصليبية الجديدة، حيث أعطت أمريكا
أمرها لأذنابها من حكومات الكفر والردة، بأن تسجن كل العلماء الربانيين
والمجاهدين العاملين وهم من يمثل ضمير الأمة والسراج الذي ينير لها الطريق في
ظلام هذه الجاهلية العمياء، ثم بادرت هي بنفسها إلى نقل بعض المجاهدين في
أفغانستان إلى جزيرة نائية، كل هذا من أجل فصلهم عن القواعد وميادين الدعوة
والجهاد وإبعاد خطرهم الذي يهددهم في كل لحظة كأنه كابوس يزعجهم بالليل
والنهار.




يقول الشيخ أبو قتادة الفلسطيني – حفظه الله وفك أسره - : فالسجن أحد
أساليب الطغاة في ردع الدعاة والمصلحين، والسجون الآن تعج بكثرة الموحدين
فيها، وقد تبجح الكفر الآن وعربد بما لم يكن له مثيل في يوم من الأيام، فما
هو السبيل الشرعي والكوني لردع هؤلاء المجرمين عن غيهم؟! وما هو الطريق
الشرعي والكوني لإخراج هؤلاء المساجين من معاقل الطغاة؟ إنه ولا شك الجهاد في
سبيل الله تعالى.

[1]
اهـ.




نعم، بالجهاد فقط يمكننا اليوم وفي هذه الظروف العصيبة التي تعيشها الأمة،
فك أسارانا وإفراغ سجون المرتدين والكفار من إخواننا الموحدين، فالطغاة لا
يمكن أن يتنازلوا عن شروطهم الكفرية إلا بقوة السلاح، وإذا ما أطلقوا سراح
بعض إخواننا في ظروف خاصة فإنما هو سراح رجعي سرعان ما يعيدونهم إلى السجن
والأسر، وهكذا دواليك.




ويقول الشيخ أبو قتادة متحدثاً عن واجب المسلمين الشرعي في فك أسراهم: وفك
العاني واجب شرعي على المسلمين حيث وقع لقوله r: ((فكوا العاني وأطعموا
الجائع، وعودوا المريض))[2].
قال ابن حجر: قال ابن البطال: فكاك الأسير واجب على الكفــاية وبه قال
الجمهـور.[3]
ا.هـ. ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لأن أستنقذ رجلا من أيدي الكافرين
أحب إلي من جزيرة العرب). وروي أن الحجاج بن يوسف الثقفي غضب على واليه في
السند غضبا شديدا، وذلك بسبب امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند
فجهز الجيوش المتواصلة، وأنفق بيوت الأموال حتى استنقذ المرأة وردها إلى
أهلها ومدينتها.[4]




وفك العاني المسلم صورة من صور الولاء بين المسلم وأخيه المسلم.

وليعلم أن ما يعانيه المسلم السجين هو شيء يفوق الوصف والخيال، حتى أنهم
قديما كانوا يعدون السجين كأنه منفي من الأرض، وأنه خارج الحياة. يقول
الشاعر:




إذا جاءنا السجين يوما لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا




والحضارة الشيطانية المعاصرة ابتكرت من الأساليب الوحشية لتعذيب خصومها شيئا
يفوق الخيال، وليس سجين اليوم مجرد رجل محبوس في جب فقط، مع أن مجرد هذا
الحبس عذاب شديد، ولكنهم يمارسون على هذا السجين ألوان العذاب وصنوف القهر ما
الله به عليم، فإذا علمنا هذا تبين لنا الواجب الشرعي الملقى على عاتق الأمة
في تخليص هؤلاء الأسارى، جاء في القوانين لابن الجوزي: يجب استنقاذهم (أي
الأسارى) من يد الكفار بالقتال، فإن عجز المسلمون عنه وجب عليهم الفداء
بالمال.


[5]

اهـ. ( المرجع السابق)




أما أهمية السجن وضرورة استغلال فترة الأسر والاعتقال، فهي دون شك من
المسلّمات ومن أولويات المسلم داخل سجنه، فكل دقيقة أو لحظة تمر على الأسير
لابد أن يسخّرها لدعوته ولتقوية ملكاته وتربية نفسه وتعويدها على التحمل
والصبر، وللمزيد من الاستعداد للعطاء ولمواصلة الدرب إلى أن يلقى الله
شهيداً. ويمكننا القول إن مرحلة السجن بالنسبة للمجاهد تعتبر فترة استراحة
وتأمل ومراجعة، كما يكون فيها المجاهد مغلوباً على أمره على مستوى التكليف
الشرعي، لا يمكن أن يقوم بأعمال على أرض الواقع كما كان يفعل قبل الأسر،
ويمكننا القول أنه مرفوع عنه القلم على مستوى التكليف.



والكثير من الدعاة والعاملين في سبيل الله يتخيلون بأن مرحلة السجن أو الأسر
تعتبر في حد ذاتها نقطة سوداء وفترة ضياع للجهد وإيقاف لمسيرة المجاهد،
وحينما يقعون في الأسر يحكمون على أنفسهم بالموت والجمود، ويعتبرون أن مسيرة
جهادهم قد انتهت بأسرهم، فينفصلون عن دعوتهم معنوياً وروحياً كما انفصلوا
عنها جسدياً ومادياً. بينما الحقيقة ينبغي أن تكون غير هذا.



يقول الشيخ أبو قتادة: هل السجن مرحلة ضرورية للداعي؟ وهل هي مرتبة ممدوحة،
الداخل فيها خير من غيره بدخول هذه المرحلة؟.

مما لا شك فيه أن طريق الدعوة محفوف بالمخاطر والابتلاءات، قال تعالى: ﴿
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا
يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ
اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت :
2-3]. ذلك لأن الداعي يأتي للناس بالجديد من الأمر، ويدعوهم لترك عوائدهم
وإيلافهم، بل ويسفه ما هم عليه من نهج وطريق، وهذا أمر كبير على الناس، لأنه
يطعن في مسلماتهم وعظائم عقائدهم، ولهذا فإن الداعي يجابه بقوة وعنف، وبسبب
هذا الابتلاء تتميز الصفوف، ويفيء الناس إلى مقاماتهم الحقيقية دون لبس أو
تزوير، فالابتلاء يعرف مقامات الناس، والبقاء للصابر، قال تعالى: ﴿
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا
وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾[السجدة : 24]. قال ابن تيمية - رحمه الله
- في تفسيرها: بالصبر واليقين تنال الإمامة.ا.هـ.



فالصبر يمنع التهور، واليقين يمنع اليأس والقنوط، فالداعي له قوتان تحصنانه
من الخطأ، قوة تدفعه وهي اليقين، وقوة تريثه وهي الصبر، يقين على الموعود
القادم، وصبر على البلاء الواقع، والبلاء والامتحان ظاهرة في كل الدعوات، وهي
تكتنف المتمردين، سواء كان تمردهم بحق أم بباطل، فليس الأنبياء أو أتباع
الأنبياء هم فقط من لقي العنت في سبيل دعوته، بل كل من أتى للناس بجديد، ولكن
ما يميز أهل الحق من غيرهم في هذا الباب هو أن تعب الأنبياء وأتباعهم هو في
سبيل الله ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا
مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ
الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ
عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾، وأما غيرهم فتعبهم وبال عليهم كما قال تعالى: ﴿ عَامِلَةٌ
نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ
فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾[الأنفال : 36] ،
فالابتلاء ظاهرة في مسيرة الدعوات لأن وجود الأعداء من مظاهر نصرة الله
لأوليائه، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً
شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ﴾[الأنعام : 112] ، ومظهر من مظاهر اسم الله
تعالى: المنتقم. واختلاف الناس سنة كونية، وكذلك تدافعهم ليتحقق لكل واحد
أهدافه التي يسعى إليها، والمعادلة بين الطرفين بحصول النصر والهزيمة مبسوطة
في القرآن، وما من أمر إلهي إلا وهو عامل من عوامل النصر، وما من مخالفة
للشريعة إلا عامل من عوامل الهزيمة.



والسجن إحدى مظاهر الابتلاء، وصورة من صور العذاب التي يهدد بها كل طرف
الآخر، كما قال فرعون مهددا موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ
إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ [الشعراء : 29]. وقد
كان إحدى اختيارات قريش في عذابها لرسول الله r: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
﴾[الأنفال : 30]. لأن السجن صورة من صور العذاب النفسي والبدني، فهو تقييد
لإرادة الإنسان، ومانع له من ممارسة مدنيته وإنسانيته، ثم هو بالنسبة للداعي
أشق وأتعب لأنه يفصل بين الداعي والمحيط الذي يحتاجه لدعوته، فعمل الداعي هو
النور في الناس، وتعليمهم الخير، وكسب أتباع لدعوته، وترقية لأفراد دعوته في
الطريق، فالسجن حرمان من هذا كله، إذ أنه يعزل الداعي عن محيطه ليمنعه من
التأثير والكسب.



وفي هذه الغربة المعاصرة حيث بدأ الدعاة يدعون إلى الله، وتمت سنة المدافعة
بين فريق الحق وفريق الباطل، وملأ الطاغوت السجون بالدعاة، وتكررت صور
الابتلاء وإلى الآن، كانت التجربة الأولى أن دخلت مجموعات السجون، فماذا صنع
فيهم السجن؟.



كان السجن وعاء تشكل لونه بلون الداخل فيه، فبعضهم انتكس ووقع، وهؤلاء على
الأغلب قلة لا يؤبه بها، ولكن الأغلب خرج من السجن وهو يحمل ذكريات الألم
والعذاب، وخرج ليكتب للناس مذكرات كربلائية مليئة بالبكاء والنواح حاول كل
واصف فيها أن يستدر عواطف القراء نحوه، وأن يكسب شفقتهم عليه، وقد وجد أدب
داخل المكتبة الإسلامية يمثل هذا النوع من الفنون، من البكاء والنواح
الكربلائي، وكان القصد من هذا هو تعليق النياشين (الأوسمة) على الصدور بأن
هذا قد عذب وضرب، ولم يخرج من الآن من هذا الصف المبتلى دراسة أو دراسات تكون
زادا للجيل القادم من هذه التجربة، فالسجن بلاء: إما أن يكسر، أو يعصر، أو
يثمر فيخرج صاحبه منه منقى من كل الشوائب، شوائب الأفكار، وشوائب النفس،
فتترقى مدارك المرء، وتنصقل نفسه في تطورها وتربيتها، فالممتحن لا يمدح إلا
بمقدار استفادة المرء منه، لا من حيث هو في نفسه ممدوحا مرغوبا، فقد ينتكس
المرء فيه، وقد يخرج منه كما دخل جهلا وعماء وسوء خلق، وقد يرتقي فيه، وكل
هذا بحسب المرء ونظره إلى ما تمر به الحياة من مظاهر وظواهر، فليس السجن
مرتبة مدحية، ولا هو بالذي يطلبه المرء ليكون الأفضل بين أقاربه، ولكن ينظر
إلى مقدار اكتساب المرء من هذه التجربة. اهـ. ( المصدر السابق ).



وبعد،



فإن ظاهرة الأسر باقية ما بقي الجهاد والدعوة إلى الله والولاء والبراء
والكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده، وهي ظاهرة لابد أن يتقبلها المؤمن بصدر
رحب – إن لم يكن له بد من تفاديها-، ويحاول اعتبارها منحة في صورة محنة،
وفترة ابتلاء لا ينبغي أن تنكسر فيها عزيمته أو يفتر إيمانه، مع أن الأصل في
المسألة هو مقاومة هذه الظاهرة والهروب منها ما أمكن، كونها تشكل عائقاً
للداعية وللمجاهد على التقدم، كما أنها تخلق ثغرات في الصف المجاهد وتعطّل
الكثير من الوظائف داخل هذا الصف.



أما الواجبات الملقاة على أعناقنا تجاه أسرانا ومعتقلينا، فهو:



· أولاً: تذكير الأمة بهم والدعوة لهم.



· ثانياً: تذكير دعوتهم وسيرتهم ومواصلة ما بدأوه من دعوة وجهاد.



· ثالثاً: مواصلة الإعداد والجهاد لفك أسرهم أو البحث عن وسائل لفدائهم أو
استبدالهم بأسرى الأعداء.



· رابعاً: القيام على إعالة أُسَرهم وذويهم وتربية أبنائهم حتى يواصلوا السير
على درب آبائهم.



هذه بعض الواجبات التي ينبغي علينا القيام بها وأداؤها في حق هؤلاء الأسرى
والمعتقلين ريثما يأتي فرج الله ومدده.



هذا ونسأل الله جل وعلا أن يعجل فرج أسرانا ومعتقلينا من سجون الكفار
والمرتدين، وأن يربط على قلوبهم ويثبتهم على الحق المبين، وينصرهم على
إغراءات أعدائهم، آمين.




والحمد لله رب العالمين








[1]
الجهاد
والاجتهاد – تأملات في المنهج.



[2]
رواه
البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه.



[3]
فتح
الباري (6/193).



[4]
عن
الموالاة والمعاداة (1/327).



[5]

172).



ليست هناك تعليقات: