الأحد، 21 يونيو، 2009

""فلنعمل قبل أن نستبدل " بقلم الشيخ أبو يونس العباسي حفظه الله تعالى


فلنعمل قبل أن نستبدل


أبو يونس
العباسي


الحمد لله معز الإسلام بنصره , ومذل
الشرك بقهره , ومصرف الأمور بأمره , ومستدرج الكافرين بمكره ، الذي قدر الأيام
دولا بعدله , وجعل العاقبة للمتقين بفضله , والصلاة والسلام على من أعلى الله
منار الإسلام بسيفه , وعلى من سار على دربه واقتفى أثره , واهتدى بهديه واستن
بسنته , إلى يوم الدين .


سبب المقال


تمر علينا في هذه الآونة الذكرى
الثانية لأحداث غزة والتي حصلت عام 2007م , والتي استبدل الله فيها قوما بقوم
آخرين , وجماعة بجماعة , فكان لابد من الوقوف عند مثل هذا الحدث , وتذكير النفس
والإخوة بسنة من سنن الله في الكون ألا وهي: سنة الاستبدال , ولا أخفيكم سرا أن
من أسباب المقال أيضا: أن أخًا من إخوة التوحيد زارني في بيتي , وتحدث لي عن
ضرورة العمل لنصرة المنهج الحق , منهج محمد – صلى الله عليه وسلم – وصحبه – رضي
الله عنهم - , وكان مما قال :"والله يا أخي إذا لم نعمل
لدين الله فسيستبدلنا بغيرنا
" , فكان هذا كله دافعا لي أن أكتب هذا
المقال والذي عنونته بعنوان:"لنعمل قبل أن نستبدل"
.


العمل
الواجب فعله حتى لا نستبدل


وإن العمل الذي يجب علينا أن
نعمله حتى لا نستبدل هو: عبادة الله جل في علاه , فإن الله ما أنزل الكتب وأرسل
الرسل إلا ليعبد – سبحانه وتعالى - , قال الله تعالى:"

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)
"(الذاريات)
, ومن الجدير ذكره أن كل ما يستعين به المرء على عبادة الله فهو عبادة , قال الله
تعالى:"
قُلْ إِنَّ
صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)
لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)
"(الأنعام)
, وعليه وحتى لا نستبدل: فلنبادر لطاعة المولى ونصرة دينه وتحكيم شرعه , ولنقف
عند حدوده , ولندافع عن ذلك كله بكل ما أوتينا من قوة , ولنرفع قول أبي بكر
الصديق – رضي الله عنه - شعارا لنا:"والله لا ينقص
الدين وأنا حي
" , وأقول لنفسي وإياكم أيها الإخوة مجددا:"دينكم
دينكم لحمكم ودمكم
".


نحن
الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد


لا يظنن أحد وهو يطيع ربه – جل
جلاله - ويعمل على نصرة دينه أن الله محتاج لمثل هذا , فالله غني عن العالمين ,
ومن يطع ربه ويعمل لدينه ويجاهد في سبيل مولاه ويبذل ويضحي بالمال والجاه , من
أجل دين الرب الأعلى , فإنما يفعل ذلك لنفسه , قال الله تعالى:"

مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ
اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)

" (العنكبوت) , وقال أيضا:"مَنِ
اهْتَدَىفَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ
عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15
)
"(الإسراء)
, وقال أيضا:"
يَا
أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ
الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)
"(فاطر) ,
وأذكر مرة أن رجلا جاء إلى مسئوله الشرعي يمتن عليه أنه خدم الدعوة وخدم وفعل
وراح وأتى , فقلت له : هذا عين ما فعلت وقالت الأعراب لما جاءوا إلى الرسول
يمتنون عليه بأنهم آمنوا به , فنزل قول الله تعالى:"
يَمُنُّونَ
عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ
يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
"(الحجرات) .


ما هو
المقصود بسنة الاستبدال


و من السنن الإلهية التي أريد أن أسلط
الضوء عليها لما لها من أثر بارز في مجتمعنا هي سنة الاستبدال , و قبل الشروع في
الموضوع لا باس بأن أشير إلى أن للاستبدال معنى لغويا و معنى اصطلاحيا و رد في
القران الكريم .


والمعنى
اللغوي للاستبدال:
هو استبدال
شيء مكان شيء ، هذا هو البدل و مثال ذلك إني أبدلك نقودا مقابل أدائك عمل معين.


أما الاستبدال فهو أعم من البدل لأنه
إزالة شيء و استبداله بآخر و مثال ذلك استبدال السيئات بالحسنات.


أما
المعنى الاصطلاحي لكلمة الاستبدال كما ورد في القران فهو:

أن يجعل شيء صالح مكان شيء طالح ,
وعليه فالمقصود بسنة الاستبدال أيها الإخوة الكرام:

أن الله تبارك وتعالى اقتضت حكمته في من كفر وطغى وظلم وأعرض عن تحكيم الشرع
ونصرة الدين أنه يهلكه ويزيله من الوجود ويستبدله بمن كان تقيا مخلصا لله رب
العالمين , قال الله تعالى:"
قَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)
قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا
قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي
الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)
"
(الأعراف) , و سنة الاستبدال تكررت عدة مرات في التاريخ , وحدثت في أزمنة مفصلية
من عمر الإنسانية ، أراد الله – عز وجل - من خلالها معالجة اعوجاج مسيرة الإنسان
الذي كان يرفض كل النذر التي أرسلها الباري عبر رسله وأنبيائه لأقوام وجماعات طغت
و تكبرت و تمردت على تعاليم الله , فكان مصيرها أن جرت عليها هذه السن الإلهية
العظيمة .


فنظرة سريعة على تاريخ الإنسانية نجد
إن سنة الاستبدال طالت أقوام كثيرة جدا ذكرها القران الكريم ، وكانت حركة
الاستبدال في كل مرة سريعة تنتهج طريقة مختلفة , تكون عادة مؤلمة و غير عادية
تستأصلهم من جذورهم وتجعل أماكن سكناهم قاعا صفصفا , فمن قوم نوح وطوفانهم إلى
عاد وريحهم الصرصر , و ثمود الذين أخذتهم الصاعقة , وغيرهم من الأمم التي طالها
العذاب جراء عمل معين أصروا عليه , فكان مصيرهم أن طبق عليهم قانون الاستبدال .


مما ذكر عرفنا أن الله يستبدل أمم بأمم
أخرى , وليس ذلك على الله بعزيز .


ولكن هل
من الممكن أن يجري قانون الاستبدال هذا على الأفراد كما جرى على الأمم السالفة ؟


لا شك و لا ريب أن السنن الإلهية
غير مقتصرة على أمة دون غيرها , فالقاعدة هي نفسها القاعدة ، قال الله تعالى:"
وَلَوْ قَاتَلَكُمُ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا
نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23)
"(الفتح)
, وقال:"

لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ
سُوءًا يُجْزَ بِهِ
وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا
نَصِيرًا (123)
"(النساء)


و هذه السنة في اعتقادي قد يتعرض لها
أي إنسان في عصرنا الحاضر ، وليس من الضرورة أن يكون الاستبدال كما جرى للأمم
السالفة من عذاب يقع عليها كالطوفان و الصيحة و غيرها من أنواع العذاب
.


إذا ما هي
طريقة الاستبدال التي نتكلم عنها ؟


قد يكون عصر العذاب الجماعي قد
انتهي قال الله تعالى:"
وَإِذْ
قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ
عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
"(الأنفال)
، و لكن قد يجري قانون الاستبدال بطريقة تفضي بالنهاية إلى ذات السنة الإلهية و
هي استبدال الأفراد بآخرين .


فالله سبحانه تعالى حينما يفتقد
عبده من الأماكن و الأجواء والمواقف التي يحب أن يراه فيها , وذلك عندما يتقاعس
عن نصرة هذا الدين , ويقصر عن الطاعات لرب العالمين , ويتنازل عن عقيدته وثوابته
من أجل لعاعة من لعاعات الدنيا , ويوالي أعداء مولاه جل في علاه , وهو يفعل ذلك
كله بعد أن يسر له الله سبل الهداية وبينها له , فإن الله يستبدله بغيره , وما
ذلك إلا تطبيقا للسنة الإلهية التي ذكرها القران الكريم في سورة محمد"
وَإِنْ
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ
(38)
"


فاحذر أخي
المؤمن و أختي المؤمنة


فاحذر أخي المؤمن و أختي المؤمنة من
الوقوع في براثن الشيطان أو السقوط في شراكه ، و ليكن دأبكم دائما الاتصال بالله
تعالى , وموالاة أوليائه الصالحين , والسير على هداهم ونهجهم , والابتعاد عن
قرناء السوء , الذين بهم ومن خلالهم يستبدل معظم الناس طريق الصلاح والهداية
بطريق الضلال و الغواية , فاللهم بارك لنا فيما رزقتنا ، و لا تستبدل بنا غيرنا ,
اللهم آميين.


الإنذار
يسبق الاستبدال


ومن رحمة الله تبارك وتعالى بنا
أن الاستبدال لا يكون إلا بعد إنذارات وإنذارات من رب البريات , يخبرنا الله ومن
خلالها أننا على خطر الهلاك والزوال والاستبدال إذا لم نتدارك أنفسنا , وهذه
الإنذارات تكون على شاكلة عذابات من الله ولكنها لا تستأصل شأفتنا بل شأنها أن
توقذنا , إن كنا اهلا لذلك , كالمرض الذي يصيب أجسادنا ليس من شأنه غالبا أن
يقتلنا , ولكن لينبهنا أن ثمة خطر يهدد أجسادنا بالموت , قال الله تعالى:"
ظَهَرَ
الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)
"(الروم)
, وقال أيضا:"

وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا
وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48)
"(الزخرف)
, وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عمر أن الرسول – صلى الله عليه وسلم - قال:"

يَا مَعْشَرَ
الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ
تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا
بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ
مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ
وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ
السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا
مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا
وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ
وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا
أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ
"
, فالأمراض المستجدة ومنع القطر وتسليط العدو والاقتتال الداخلي والسنين وشدة
المؤنة وجور السلطان , ما هي إلا إنذارات قبل أن تحل بنا سنة الاستبدال , وذلك
إذا لم نتدارك أنفسنا ونعود إلى رشدنا ونرضي ربنا – سبحانه وتعالى - , ونلتزم
بشرعه ونهتدي بهدي وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم -.


ترك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر وعلاقته بسنة الاستبدال


لقد جرت سنة الله في الأمم
والجماعات والحكومات الممكن لها , أنها إذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فإنها مهددة بالاستبدال والزوال قال الله تعالى :"
وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ
الْأُمُورِ (41)
"(الحج) ,


قال سيد قطب في تفسير هذه الآية:


فوعد الله المؤكد
الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره . . فمن هم هؤلاء الذين ينصرون
الله ، فيستحقون نصر الله ، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه؟ إنهم هؤلاء
:
{ الذين إن
مكناهم في الأرض
}
. . فحققنا لهم النصر ، وثبتنا لهم الأمر . .

{ أقاموا الصلاة

}
. . فعبدوا الله ووثقوا
صلتهم به ، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين . .

{
وآتوا الزكاة

} .
. فأدوا حق المال ،
وانتصروا على شح النفس ، وتطهروا من الحرص ، وغلبوا وسوسة الشيطان ، وسدوا خلة
الجماعة ، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج ، وحققوا لها صفة الجسم الحي كما قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم - : «

مثل المؤمنين في
توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى

» . {
وأمروا بالمعروف

} . . فدعوا إلى الخير
والصلاح ، ودفعوا إليه الناس . . {

ونهوا عن المنكر

} . . فقاوموا الشر والفساد ، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى
على منكر وهي قادرة على تغييره ، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه .(أ.هـ)


قلت:


ولك يا أخا
التوحيد أن تسأل عن وجه العلاقة بين شطر الآية الأول وبين قوله تعالى:"
ولله
عاقبة الأمور
" .


والجواب:


إن وجه العلاقة هو أن من
أقام الصلاة وآتي الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر , هكذا بشكل جماعي , كما
يدل عليه سياق الألفاظ , أدام الله له تمكينه وعزه وسؤدده وملكه , وإلا... أي إن
لم يفعل ما تقدم ذكره , أهلكه وسحب بساط التمكين من بين رجليه .


وعليه:


فهل تتوقعون أن
يديم الله التمكين لأي حكومة كانت , تركت تطبيق الشرع , بل وحكمت القانون
الوضعي؟!!! قال الله تعالى:"

فَبِمَا نَقْضِهِمْ
مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ
الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)

"(المائدة) .


علاقة ترك
الجهاد وطريقه بسنة وقانون الاستبدال


ومن الأسباب التي
يستبدل الله الأمم إن هم ولجوا فيها: ترك الجهاد في سبيل رب العباد , فمن تنكب عن
الجهاد سواء أكان فردا أو جماعة أو حركة أو حكومة , والله ليستبدلنه الله جل في
علاه , وهاكم الدليل , قال الله تعالى:
"يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ
الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي
الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا

وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
"(التوبة),
ولقد عدد الرسول أسبابا وأفعالا تنقل صاحبها وتبدل حاله من العز إلى الذل وذكر
منها – صلى الله عليه وسلم – "ترك الجهاد" , أخرج أبو داوود في سننه من حديث ابن
عمر أن الرسول – صلى الله عليه وسلم - قال:"

إِذَا تَبَايَعْتُمْ
بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ
وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ
حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ
"
, والعينة هي نوع من أنواع الربا , ويا حسرتاه فقد ولجت الأمة في الربا بما يندى
له جبين كل مخلص صادق الانتماء لله ورسوله محمد آخر الأنبياء , وأما المقصود بقول
الرسول – صلى الله عليه وسلم - (

وَأَخَذْتُمْ أَذْنَاب الْبَقَر
وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ

)حُمِلَ هَذَا عَلَى الِاشْتِغَال بِالزَّرْعِ فِي زَمَن يَتَعَيَّن فِيهِ
الْجِهَاد(

وَتَرَكْتُمْ الْجِهَاد
)
أيْ: الْمُتَعَيَّن فِعْله (

سَلَّطَ اللَّه
عَلَيْكُمْ ذُلًّا

)وَسَبَب هَذَا الذُّلّ
وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه
الَّذِي فِيهِ عِزّ الْإِسْلَام وَإِظْهَاره عَلَى كُلّ دِين عَامَلَهُمْ اللَّه
بِنَقِيضِهِ وَهُوَ إِنْزَال الذِّلَّة بِهِمْ فَصَارُوا يَمْشُونَ خَلْف
أَذْنَاب الْبَقَر بَعْد أَنْ كَانُوا يَرْكَبُونَ عَلَى ظُهُور الْخَيْل الَّتِي
هِيَ أَعَزّ مَكَان.


ترك
الإنفاق والبذل وعلاقته بسنة الاستبدال


وإن من أهم أسباب استبدال الله
للأفراد والجماعات ترك البذل والعطاء لدين رب الأرض والسماء , ووالله إننا بحاجة
وخاصة في مثل هذه الأوقات أن ننصر الدين بالغالي والنفيس , بالنقير والقطمير ,
فإن الدين بحاجة إلى رجال , وهو بحاجة إلى مال , لنعد الرجال ليصاولوا أعداء الله
الواحد المتعال في ساحات النزال , فهل من بائع النفس والمال لله ؟ قال الله
تعالى:"
إِنَّ اللَّهَ
اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ
وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ
أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي
بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)

"(التوبة) , فهل من مجاهد للأعداء بماله ليرتفع دين رب الأرض والسماء ؟ في سنن
النسائي من حديث أنس , قال الرسول – صلى الله عليه وسلم - :"

جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ

" , ولا يشترط حتى تنفق أن تنفق الكثير , بل إن الأمر كما أخرجه البخاري في صحيحه
من حديث عدي بن حاتم أن الرسول – صلى الله عليه وسلم - قال:"

فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمْ
النَّارَ
وَلَوْ بِشِقِّ
تَمْرَة
ٍ

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ
"
, واستعن على هذا بتذكر هذا الحديث دائما , أخرج النسائي في سننه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ


أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"

سَبَقَ دِرْهَمٌ
مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَالُوا وَكَيْفَ قَالَ كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ
تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ
مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَ

" , قال الشيخ أسامة – سلمه الله - :"
فما
أحراكِ أمتي أن تضعي يدكِ بيد أبنائك المجاهدين لنواصل الجهاد ضد أعداء الدين ,
ومواصلة استنزافهم في هاتين الجبهتينوغيرها من الجبهات المفتوحة أمامك مع التحالف
الصليبي الصهيوني وكلابه في المنطقة في فلسطين والعراق وأفغانستان ووزيرستان
والمغرب الإسلامي والصومال...

,
فواجبك دعمها جميعاً
بالنفس والمال إلى أن تتم الكفاية
،
فقد خبرت الجهاد بفضل الله
وأعرف تكاليفه المالية، فزكاة تاجر واحد من كبار
تجار المسلمين تكفي لمصاريف الجهاد في جميع الجبهات المفتوحة اليوم ضد أعدائنا
،
وللجهاد سهم في الزكاة كما تعلمون ، فالسعيد من وفقه الله
تعالى ليكون سبباً في نصرة دينه والذود عن رسوله وإنقاذ أمته صلى الله عليه
وسلم..
,
وما أشبه حال
عسرة المجاهدين اليوم بالحال في جيش العسرة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
، إلى أن جاء عثمان رضي الله عنه وجهز معظم الجيش، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم" .. فمن ذا يكون عثمان المسلمين في هذه
العسرة ؟؟


وإني أعلم أن
الكثير من تجار المسلمين لا يمنعهم البخل في أموالهم من الإنفاق في سبيل الله،
ولكن يمنعهم من ذلك خشيتهم من أمريكا ووكلائها في المنطقة ،

وإني أقول لهم: هذا ليس بعذر وإنما أنتم في دار ابتلاء
واختبار , وتذكروا قول الله تعالى:(أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن
تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) التوبة13 "
(أ.هـ) .


فإن أعرضت الأمة وتقاعست بعد هذا
عن الإنفاق فسوف يستبدلها رب الكون والآفاق , قال الله تعالى:"

هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ
مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ
الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا
غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)

"(محمد) .


إن الله
لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم


لقد كان العرب قبل محمد – صلى
الله عليه وسلم - لا شيء يذكر في قاموس البشرية , فعلا لقد كانوا صفرا على الشمال
, فلما بعث إليهم محمد واتبعوه , بدل الله حالهم من أسوأ حال إلى أحسن حال , قال
الله تعالى:"

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ
النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)
"(آل
عمران) , وقال أيضا:"

لَقَدْ
أَنْزَلْنَاإِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)

"(الأنبياء) , وما كان للعرب أن يتبدل حالهم إلا بالإسلام , قال عمر ابن الخطاب:
"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في
غيره أذلنا الله
" , ولقد فتح المسلمون إقليما
وكان ممن شارك في الفتح أبو أيوب , وإذا به بعد الفتح يبكي بكاء شديدا , فسأله
أصحابه ولم؟ فقال:ما أهون العباد على الله إن هم عصوه , انظروا ماذا حصل لفارس
لما عصوا الله سلبوا أرضهم وديارهم وذلوا من بعد عزة , وإني أخاف أن يأتي يوم على
المسلمين ينحرفون عن منهج ربهم وستة نبيهم فيصيبهم ما أصاب هؤلاء
.


وأنا أقول
معلقا:
حقا ما قلت يا أبا أيوب
ولقد وقع , وإن الأمة لن تنجوا من هذا المستنقع الذي وقعت فيه إلا إذا رجعت رجعة
صادقة إلى منهج الله , فآمنت به وعملت بهذا الإيمان , وعبدت الله ولم تشرك به
شيئا , قال الله تعالى:"

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا
يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)

"(النور) , وعند مالك في موطئه من حديث أبي هريرة أن الرسول – صلى الله
عليه وسلم - قال:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي
أبدا كتاب الله وسنتي
" .


إذن:


فبدل الله حالنا من عز إلى ذل ,
ومن سيادة إلى تبعية , ومن سعادة إلى شقاء , ومن أمن إلى خوف , ذلك لأننا أعرضنا
عن منهج الله , فإن حاسبنا أنفسنا وعدنا إلى رشدنا بدل الله الحال إلى أحسن حال ,
وإلا استبدلنا بغيرنا , قال الله تعالى:"

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا
يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا
يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي
أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)

"(طه) .


صفات
الرجال الذين لا يستبدلهم الله الواحد المتعال


وإذا أردنا ألا يستبدلنا الله
فعلينا أن نتصف بعدة صفات وإلا وقع المحذور , فالبدار البدار أيها المسلمون إلى
تربية أنفسنا وتربية أولادنا كما يريد الله ورسوله ليعيدوا لنا مجدنا التليد ,
وليجددوا أمجاد الصحابة الأجاويد , نريد الرجال الأطهار المطهرون , قال الله
تعالى :"

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ
فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهِّرِينَ (108)
"(التوبة) ,
نريد الرجال الصادقين الثابتين , قال الله تعالى :"
مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ
قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ
شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)

"(الأحزاب) , نريد الرجال الذين لا يشغلهم عن الآخرة شاغل , ولا يلهيهم عن الله
مله , قال الله تعالى :"
فِي
بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ
فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا
بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ
يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)

"(النور) , نريد الرجال المحبين لله الواحد المتعال , الأذلاء على الموحدين
الأعزة على الكافرين , الرجال الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ,
قال الله تعالى :"

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)

"(المائدة) , نريد الرجال الذين لا يصرون على الذنب ويستغفرون الرب – سبحانه
وتعالى - , أخرج البخاري في صحيحه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"

وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ
فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ
"
.


المبادرة
المبادرة إلى الأعمال قبل أن تلم بنا سنة الاستبدال


فهيا يا إخوة الإسلام اتصفوا
بهذه الصفات وانقلوها على أرض الواقع ولا تبقوها جعجعات تراوح مكانها , فإنا
والله لا نأمن على أنفسنا أن يستبدلنا ربنا -جلت قدرته - , قال الله تعالى:"
وَقُلِ اعْمَلُوا
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(105)"
(التوبة), وقال أيضا:"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ
أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)
"
, وأخرج الحاكم في مستدركه من حديث ابن
عباس أن الرسول قال:"
اغتنم
خمسا
قبل خمس : شبابك قبل
هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناءك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك
"
, حقا أقول وليسمعها القريب والبعيد:"لنعمل قبل أن
نستبدل
" .


ولا تحسبن
الله غافلا عما يعمل الظالمون


وقد يتساءل إنسان ونحن نسرد هذا
الكلام فيقول:وهل سيستبدل الله أمريكا وحلفاءها بغيرهم ؟ فأقول له:نعم ... ولا بد
أن يكون كل واحد منا على ثقة بذلك , لأن الله يمهل ولا يهمل , قال الله تعالى:"
وَلَا
تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا
يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)
"(إبراهيم)
, وجاء في الصحيح
عَنْ
أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ
لَمْ يُفْلِتْهُ
قَالَ ثُمَّ قَرَأَ{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ
ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }
"
.


وهذه كلمة
أوجهها لدول الكفر والظلم فأقول:


دولة الكفر والظلم ساعة ودولة
التوحيد والإسلام إلى قيام الساعة , وإلا فقولوا لي: أين عاد وثمود وفرعون وقارون
والنمرود؟ أين الكفار والظلمة أين أبو جهل وأبو لهب ؟ بادوا جميعا وبقي الإسلام
وسيبقى , لأنه دين الله , وهو الذي تكفل بحفظه , قال الله تعالى:"
إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)
"(الحجر)
.


كل يوم هو
في شأن - سبحانه وتعالى –


وإن المتحكم في أزمة الأمور هو الله ,
وهو كذلك مغير الأحوال ومبدل الظروف , وإذا أراد شيئا هيأ له أسبابه , وهو ذو
الحكمة البالغة والقدرة المقتدرة , إذا أراد أمرا فإنما يقول له :"كن
فيكون
" ,


قال سيد قطب في قول الله تعالى:"كل
يوم هو في شأن"
:


وهو سبحانه - كل
يوم
هو في شأن
, وهذا الوجود الذي لا تعرف له حدود ، كله منوط بقدره ، متعلق بمشيئته ، وهو قائم
بتدبيره , هذا التدبير الذي يتناول الوجود كله جملة؛ ويتناول كل فرد فيه على حدة
، ويتناول كل عضو وكل خلية وكل ذرة , ويعطي كل شيء خلقه ، كما يعطيه وظيفته ، ثم
يلحظه وهو يؤدي وظيفته .


هذا التدبير الذي
يتبع ما ينبت وما يسقط من ورقة ، وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض ،




وكل رطب وكل يابس
, يتبع الأسماك في بحارها ، والديدان في مساربها ،


والحشرات في
مخابئها .
(أهـ) .


وقال سيد قطب في قول الله تعالى:{
قُلِ اللَّهُمَّ
مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ
تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ
إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)


تُولِجُ
اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ
تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)
}
. .


نداء خاشع . . في تركيبه
اللفظي إيقاع الدعاء , وفي ظلاله المعنوية روح الابتهال ,



وفي التفاتاته إلى كتاب
الكون المفتوح استجاشة للمشاعر في رفق وإيناس , وفي جمعه بين تدبير الله وتصريفه
لأمور الناس ولأمور الكون إشارة إلى الحقيقة الكبيرة : حقيقة الألوهية الواحدة
القوامة على الكون ,يملكه إياه تمليك العارية يستردها صاحبها ممن يشاء عندما يشاء
, فليس لأحد ملكية أصيلة يتصرف فيها على هواه , إنما هي ملكية معارة له خاضعة
لشروط المملك الأصلي وتعليماته؛ فإذا تصرف المستعير فيها تصرفاً مخالفاً لشرط
المالك وقع هذا التصرف باطلاً , وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا , أما في
الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط المملك صاحب الملك الأصيل . .


وكذلك هو يعز من يشاء
ويذل من يشاء بلا معقب على حكمه ، وبلا مجير عليه ، وبلا راد لقضائه ، فهو صاحب
الأمر كله بما أنه - سبحانه - هو الله . . وما يجوز أن يتولى هذا الاختصاص أحد من
دون الله .


وفي قوامة الله
هذه الخير كل الخير , فهو يتولاها سبحانه بالقسط والعدل , يؤتي الملك من يشاء
وينزع الملك ممن يشاء بالقسط والعدل , ويعز من يشاء ويذل من يشاء بالقسط والعدل ,
فهو الخير الحقيقي في جميع الحالات؛ وهي المشيئة المطلقة والقدرة المطلقة على
تحقيق هذا الخير في كل حال : {

بيدك الخير

} . . {
إنك على كل
شيء قدير

}(أ.هـ).


فمن أراد أن
لا يستبدله الله تعالى فعليه باللجوء إلى ربه والالتزام بدينه والعمل بتوجيهاته
والثبات على منهجه , ذلك أن المتحكم بأزمة الأمورومقاليدها

.


الأسباب
الربانية في استبدال الجماعات البشرية


1 - الكفر
والصد عن سبيل الله بعد إقامة الحجة:

قـال ـ تعالى ـ: { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ
اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ
}
[آل عمران: 4]


2 -
التأله:
ففرعون عندما قـال : {يَا
أَيُّهَا الْـمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي
} [القصص:
38]. وعندما قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}
[النازعات: 24]. وعندما قال: {
مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ
سَبِيلَ الرَّشَادِ
} [غافر: 29] كانت النتيجة: {فَأَخَذْنَاهُ
وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ
} [الذاريات:
40]. وكانت أيضا:{وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ
فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ
} [الأعراف: 137] .


3 -
الـذنوب:
قال ـ تعالى ـ:



{فَكُلاًّ
أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم
مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم
مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
} [العنكبوت:
40].


4 -
الظلم:
قال ـ تعالى ـ:



{وَمَا كَانَ
رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
} [هود:
117]. وقال ـ تعالى ـ: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي
الْقُرَى إلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِـمُونَ
} [القصص: 59]. وقال ـ تعالى
ـ: { إنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إنَّ
أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِـمِينَ
} [العنكبوت:3]


5 -
البطر:
وهو كفر النعمة , قال ـ
تعالى ـ:



{وَكَمْ
أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ
تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ
}
[القصص: 58]. قال ابن كثير: بطرت معيشتها، أي طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما
أنعم به عليهم من الأرزاق.


6 - الترف
والإسراف
:قال ـ تعالى ـ: {وَكَمْ
قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِـمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا
آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لا
تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إنَّا كُنَّا ظَالِـمِينَ فَمَا زَالَت
تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ



حَتَّى
جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ
}


7 -
الاستكبار والغرور:
قال ـ تعالى
ـ: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ
بِغَيْرِ الْـحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا
أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا
بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ
نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْـخِزْيِ فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ
} [فصلت: 15 -
16].


8 -
الفساد والإفساد:
قال - تعالى -{وَالَّذِينَ
يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ


وَيَقْطَعُونَ
مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ
لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
} [الرعد: 25].


9-
المكــر:
قال ـ تعالى ـ: {وَقَدْ
مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإن


كَانَ
مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْـجِبَالُ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ
وَعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ
} [إبراهيم: 46
- 47]


وهذه
أسباب أخرى:*
التولي عن
الاستجابة لله تعالى * نسيان ما ذُكِّروا به




* العتو
* قسوة القلب *
السخرية والاستهزاء * العدوان
* العلو والاستعلاء *


افتراء الكذب على الله تعالى
* اتباع الهوى والشهوات *
الجاهلية.


*هذه الفقرة من مقال أمريكا تتطويها
السنن بتصرف


والحمد
لله على كل حال


والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته


أبو يونس
العباسي


مدينة
العزة غزة


20 جمادى
الآخرة



1430هـ


لتحميل المقال عل هيئة كتاب




وورد

WORD


http://www.hotlinkfiles.com/files/26...asy_061810.doc




بي دي اف

PDF


http://www.hotlinkfiles.com/files/26...asy_061810.pdf




مضغوط بكلا الصيغتين

RAR




http://www.hotlinkfiles.com/files/26...bsy_061810.rar


جزى الله من عمل الكتاب كل خير





هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

شكراا